ساسي سالم الحاج

222

نقد الخطاب الاستشراقي

الأخيرة فإنه يؤكد في العديد من فصول كتابه أن السنّة لم تكن لها هذه المكانة التشريعية إلّا في القرون الثلاثة المتأخرة عن بداية الدعوة الإسلامية . ونحن ، وإن كنّا سنستعرض العديد من هذه الآراء في الأمكنة المناسبة لها من دراستنا ، نود تأكيد أن معظم المستشرقين لا يقرّون بمكانة السنّة التشريعية في العهود الإسلامية المبكرة خاصة في عهد الرسول ، ولا يؤمنون إلّا بالقرآن باعتباره المصدر التشريعي الوحيد في هذه الفترة الزمنية المبكرة من الدعوة الإسلامية . خالف « كولسون » نتائج بقية المستشرقين الذين أنكروا مكانة السنّة التشريعية عندما أكّد أن السنّة قد لعبت دورا رئيسا عندما وضعت أحكاما أساسية لقيام بناء قانوني مستمد من مبادئ القرآن الأخلاقية ضاربا المثل بما قام به الرسول من البدء بتوزيع التركة على أصحاب الفروض أولا ليذهب الباقي منها إلى أقرب عاصب ذكر . وكيفية تقييده الوصية بما لا يتجاوز ثلث التركة . وبإقراره للسنّة بهذا الدور التشريعي منذ الفترة الإسلامية المبكرة يكون بذلك قد اعترف للسنّة بهذه المكانة خلافا لما ذهب إليه أقرانه في هذا الصدد . ونحن بعد أن عرضنا لك آراء المستشرقين حول التشريع في عهد الرسول نأتي إلى الرد على بعض تلك الأحكام التعسفية التي لا سند لها في الواقع أو المصادر الموثوقة . ونريد أن نوضّح منذ البداية أن هذا الدور الذي نؤرّخ له يعتبر أساسا وحجر الزاوية للأدوار التالية التي تطوّر فيها الفقه حتى وصل إلى غايته من النمو والكمال . ذلك أنه في هذه الفترة وضعت اللبنات الأساسية التشريعية للفقه الإسلامي . وكل ما جاء بعده إنما هو عالة عليه . كما أننا نعلم أن هذه الفترة التي نؤرّخ لها بدأت ببعثة الرسول صلوات اللّه عليه وانتهت بوفاته . ومن هنا يمكننا تقسيم هذه الفترة من الناحية التشريعية إلى مرحلتين متميّزتين هما مرحلة ما قبل الهجرة ومرحلة ما بعدها . ولعلّه من المؤسف حقّا ألا يتعرّض المستشرقون - وهم يؤرّخون للفقه الإسلامي - إلى هذه التقسيمات الأكاديمية اللهمّ إلّا في معرض حديثهم عن القرآن المكي والمدني ، ولكنهم لم يتطرّقوا البتة إلى تفصيل هذه الأمور من ناحية تطوّرها الفقهي . ونحن نعلم أن هناك مرحلتين متميّزتين للتشريع في هذه الفترة إحداهما قبل الهجرة كما أسلفنا وتتميّز بإصلاح العقيدة وذلك بنشر التوحيد والقضاء على الوثنية والشرك ، وتهذيب النفوس وصقلها بالأخلاق الفاضلة ، وقد كانت معظم الآيات